محمد بن جرير الطبري
94
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكذا ، أشد منهم بأسا ، قال : فبعثا ففتح له أيضا . قال : فكتب إلى داود بذلك ، قال : فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا ، فبعثه فقتل المرة الثالثة ، قال : وتزوج امرأته . قال : فلما دخلت عليه ، قال : لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله ملكين في صور إنسيين ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فوجداه في يوم عبادته ، فمنعهما الحرس أن يدخلا ، فتسوروا عليه المحراب ، قالا : فما شعر وهو يصلي إذ هو بهما بين يديه جالسين ، قال : ففزع منهما ، فقالا : لا تَخَفْ إنما نحن خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ يقول : لا تحف وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إلى عدل القضاء . قال : فقال : قصا علي قصتكما ، قال : فقال أحدهما : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فهو يريد أن يأخذ نعجتي ، فيكمل بها نعاجه مئة . قال : فقال للآخر : ما تقول ؟ فقال : إن لي تسعا وتسعين نعجة ، ولأخي هذا نعجة واحدة ، فأنا أريد أن آخذها منه ، فأكمل بها نعاجي مئة ، قال : وهو كاره ؟ قال : وهو كاره ، قال : وهو كاره ؟ قال : إذن لا ندعك وذاك ، قال : ما أنت على ذلك بقادر ، قال : فإن ذهبت تروم ذلك أو تريد ، ضربنا منك هذا هذا وهذا ، وفسر أسباط طرف الأنف ، وأصل الأنف والجبهة ؛ قال : يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا وهذا ، حيث لك تسع وتسعون نعجة امرأة ، ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة ، فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتلته ، وتزوجت امرأته . قال : فنظر فلم ير شيئا ، فعرف ما قد وقع فيه ، وما قد ابتلي به . قال : فخر ساجدا ، قال : فبكى . قال : فمكث يبكي ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة منها ، ثم يقع ساجدا يبكي ، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه . قال : فأوحى الله إليه بعد أربعين يوما : يا داود ارفع رأسك ، فقد غفرت لك ، فقال : يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء ، إذا جاءك أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دما في قبل عرشك يقول : يا رب سل هذا فيم قتلني ؟ قال : فأوحى إليه : إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه ، فيهبك لي ، فأثيبه بذلك الجنة ، قال : رب الآن علمت أنك قد غفرت لي ، قال : فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض صلى الله عليه وسلم . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : ثني عطاء الخراساني ، قال : نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها ، قال : فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت . وقال آخرون : بل كان ذلك لعارض كان عرض في نفسه من ظن أنه يطيق أن يتم يوما لا يصيب فيه حوبة ، فابتلي بالفتنة التي ابتلي بها في اليوم الذي طمع في نفسه بإتمامه بغير إصابة ذنب ، ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن مطر ، عن الحسن : إن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء : يوما لنساته ، ويوما لعبادته ، ويوما لقضاء بني إسرائيل ، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ، ويبكيهم ويبكونه ؛ فلما كان يوم بني إسرائيل قال : ذكروا فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك ؛ فلما كان يوم عبادته ، أغلق أبوابه ، وأمر أن لا يدخل عليه أحد ، وأكب على التوراة ؛ فبينما هو يقرؤها ، فإذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن ، قد وقعت بين يديه ، فأهوى إليها ليأخذها ، قال : فطارت ، فوقعت غير بعيد ، من غير أن تؤيسه من نفسها ، قال : فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل ، فأعجبه خلقها وحسنها ؛ قال : فلما رأت ظله في الأرض ، جللت نفسها بشعرها ، فزاده ذلك أيضا إعجابا بها ، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه ، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا ، مكان إذا سار إليه لم يرجع ، قال : ففعل ، فأصيب فخطبها فتزوجها . قال : وقال قتادة : بلغنا إنها أم سليمان ، قال : فبينما هو